السيد حيدر الآملي
134
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
( في بيان الآباء والأمّهات الطبيعيين ) وأمّا الآباء الطبيعيون والأمّهات فلم نذكرهم فلنذكر الأمر الكلّ ( الكلَّي ) من ذلك وهم أبوان وأمّان ، فالأبوان هما الفاعلان ، والأمان هما المنفعلان وما يحدث عنهما هو المنفعل عنهما ، فالحرارة والبرودة فاعلان ، والرّطوبة واليبوسة منفعلان ، فنكحت الحرارة اليبوسة فأنتجا ركن النّار ، ونكحت الحرارة الرّطوبة فأنتجا ركن الهواء ، ثمّ نكح البرودة الرّطوبة فأنتجا ركن الماء ، ونكح البرودة اليبوسة فأنتجا ركن التّراب . فحصلت في الأبناء حقائق الآباء والأمّهات ، فكانت النّار حارّة يابسة ، فحرارتها من ( جهة الأب ) جهته ، ويبوستها من جهة الأمّ ، وكان الماء باردا رطبا ، فبرودته من جهة الأب ، ورطوبته من جهة الأمّ ، وكانت الأرض باردة يابسة ، فبرودتها من جهة الأب ، ويبوستها من جهة الأمّ ، فالحرارة والبرودة من العلم ، والرّطوبة واليبوسة من الإرادة ، هذا حدّ تعلَّقها في وجودها من العلم الإلهي ، وما يتولَّد عنهما من القدرة ، ثمّ يقع التّوالد في هذه الأركان من كونها أمّهات لآباء الأنوار العلويّة لا من كونها آباء ، وإن كانت الأبوّة فيها موجودة . فقد عرفناك أن الأبوّة والبنوّة من الإضافات والنسب ، فالأب ابن لأب هو ابن له ، والابن أب لابن هو أب له ، وكذلك باب النّسب فانظر فيه ، واللَّه الموفق لا ربّ غيره . ولمّا كانت اليبوسة منفعلة عن الحرارة وكانت الرّطوبة منفعلة عن البرودة ، قلنا في الرّطوبة واليبوسة ، إنّهما منفعلان ، وجعلناهما بمنزلة الأمّ الأركان ، ولمّا كانت الحرارة والبرودة فاعلين ، جعلناهما بمنزلة الأب للأركان . ولمّا كانت الصنعة تستدعي صانعا ولا بدّ والمنفعل يطلب الفاعل بذاته ، فإنّه منفعل بذاته ، ولو لم يكن منفعلا لذاته لما قيل الانفعال والأثر ، وكان مؤثّرا فيه ، بخلاف الفاعل فإنّه يفعل بالاختيار إن شاء فعل فيسمّى فاعلا ، وإن شاء ترك ، وليس ذلك للمنفعل ، ولهذه الحقيقة ذكر تعالى وهو من فصاحة القرآن وإيجازه : لا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ سورة الأنعام : 59 ] .